ابن قيم الجوزية
577
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
رسله من أمور المعاد وتفصيله ، والجنة والنار ، وما قبل ذلك : من الصراط والميزان والحساب ، وما قبل ذلك : من تشقق السماء وانفطارها ، وانتثار الكواكب ، ونسف الجبال ، وطيّ العالم . وما قبل ذلك : من أمور البرزخ ، ونعيمه وعذابه . فقبول هذا كله - إيمانا وتصديقا وإيقانا - هو اليقين . بحيث لا يخالج القلب فيه شبهة . ولا شك ولا تناس ، ولا غفلة عنه . فإنه إن لم يهلك يقينه أفسده وأضعفه . الثالث « الوقوف على ما قام بالحق » سبحانه من أسمائه وصفاته وأفعاله . وهو علم التوحيد ، الذي أساسه : إثبات الأسماء والصفات . وضده : التعطيل والنفي ، والتجهم . فهذا التوحيد يقابله التعطيل . وأما التوحيد القصدي الإرادي ، الذي هو إخلاص العمل للّه ، وعبادته وحده : فيقابله الشرك ، والتعطيل شر من الشرك . فإن المعطل جاحد للذات أو لكمالها . وهو جحد لحقيقة الإلهية . فإن ذاتا لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم ولا ترضى ، ولا تغضب . ولا تفعل شيئا . وليست داخل العالم ولا خارجه ، ولا متصلة بالعالم ولا منفصلة ، ولا مجانبة له ، ولا مباينة له ، ولا مجاورة ولا مجاوزة ، ولا فوق العرش ، ولا تحت العرش ، ولا خلفه ولا أمامه ، ولا عن يمينه ولا عن يساره : سواء هي والعدم . والمشرك مقر باللّه وصفاته . لكن عبد معه غيره . فهو خير من المعطل للذات والصفات « 1 » . فاليقين هو الوقوف على ما قام بالحق من أسمائه وصفاته ، ونعوت كماله ، وتوحيده . وهذه الثلاثة أشرف علوم الخلائق : علم الأمر والنهي ، وعلم الأسماء والصفات والتوحيد ، وعلم المعاد واليوم الآخر . واللّه أعلم . قال « الدرجة الثانية : عين اليقين . وهو المغني بالاستدلال عن الاستدلال . وعن الخبر بالعيان . وخرق الشهود حجاب العلم » . الفرق بين علم اليقين وعين اليقين : كالفرق بين الخبر الصادق والعيان . وحق اليقين : فوق هذا . وقد مثلت المراتب الثلاث بمن أخبرك : أن عنده عسلا ، وأنت لا تشك في صدقه . ثم أراك إياه . فازددت يقينا . ثم ذقت منه . فالأول : علم اليقين . والثاني : عين اليقين . والثالث : حق اليقين .
--> ( 1 ) ليس في واحد منهما ولا ذرة من خير . فكان الأولى أن يقول : « فهو أقل فسادا وكفرا وشرا » وكلام الشيخ ابن القيم رحمه اللّه . وغفر لنا وله : يعني مقرا بالصفات بلسانه . وإن كان في الواقع أعمى أصم أبكم عنها . غارقا في بحر الجهالة بها . لأنه لو عملها على الحقيقة ، وعرف الرب بأسمائه وصفاته : ما اتخذ من دونه وليا ولا نصيرا ولا واسطة ولا شفيعا . ولا عبد من دونه إلها . وما تولد الشرك في العبادة والإلهية إلا في ظلمات هذه الجاهلية . وما تولدت الجاهلية بظلماتها الخبيثة إلا مما بث فلول الديانات الباطلة وحسنوا للمسلمين - في ظلمات التقليد الأعمى - من انحراف عن نور الهدى القرآني ، وعن هدى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وبما جلبوا من مزوقات الهند والفرس وغيرهم باسم « التصوف » . حتى أوقعوا الناس في شرك الوثنية كما أوقع سلفهم قوم نوح في عبادة ود وسواع وإخوانهما من الآلهة . والكفر ملة واحدة .